
كنت سأتحدث عن نشوء الوعي ... وهي مسألة صعبة ،
لكن سأستطرد في ما قد سبق الحديث عنه بمزيد من التوضيح
نعود من جديد على مسألة العقل والدماغ والمخ
فمكان التفكير يقع بالمخ
والدماغ هو المشغل الحيوي للمخ
أما العقل فهو نتاج عملية التفكير والاتصال فالعقل يكتسب ، وقد يحمل موروث متراكم عبر الأجيال لكن هذا الموروث يتناقل من جيل إلى جيل بعملية الاتصال ولا يقصد بالموروث بمعناها البيولوجي.
وفي ثقافتنا الإسلامية هنالك مفهوم الفطرة السليمة والتي هي بمثابة البرمجة العقلية لكل إنسان على نمط خيري....
والسؤال الذي يتبادر لذهني الآن / هل الفطرة مكتنزة بالمخ اما بالدماغ أما أنها المستوى الأساس الذي يبني عليه الإنسان تفكيره بالمسائل الأخلاقية ....هي مسألة تتطلب بحث عميق ،
وبالمنظور التقني ما هي الفطرة السليمة التي يجب أن يحملها كل روبوت Robot مثلاً ...ربما تكون القواعد الثلاث الذي وضعها إسحاق عظيموف بأن على الروبوت أن لا يضر الإنسان والقانون الثاني هو أن يطيع الإنسان بما لا يتعارض مع القانون الأول والثالث بأن يحافظ الروبوت على نفسه بما لا يتعارض مع القانونين الأول والثاني
هذا في معرض القول حول الفطرة المبرمجة والتي يمكن أن يحمل الإنسان ما يماثلها من حيث المبدأ ويفوقها من حيث التعقيد ...لكن لا يسع المجال للخوض فيه الآن وسأتجنبها على الأقل في هذه المرحلة .
وبالعودة لأفكار الفلاسفة بهذا الشأن نرى كانط لا يشير للمخ وإنما يتحدث عن العقل كملكة نتاج لعملية الفهم وفق لفرضيات جعلها بكتابه الشهير نقد العقل الخالص ويختزل المخ في المستوى القبلي وهو يقصد بأن المخ يوجد قبل الإدراك ليؤدي الوظائف الحيوية ...وبعبارة أوضح
هنالك : قبل ...وهو ما يسمى بالمستوى القبلي
ثم هناك : بعد ... وهو ما يسمى بالمستوى البعدي
ولإسقاط ذلك على المعرفة : سيكون لدينا معرفة بعدية وهي كل ما ينتج بعد الحدس التجريبي . .. وبالطبع فلا بد أن يسبق الحدس تواجد مخ نشط يِؤدي الوظائف الحيوية وهي ما تسمى بالمعرفة القبلية
كتبها عبدالرحمن المحيا في 12:30 صباحاً ::
الأخ عبد الرحمن، تحية عطرة،
مدونك جميلة ومفيدة، أشكرك على مجهودك.
في الحقيقة، ما ذكرته حول الوعي والفطرة، ربما يتوافق مع التفسير الديني نعم، ولكنه ليس بالضرورة الأمر يحتاج أبعد من ذلك -رأيي الشخصي وآمل أن لا يزعجك-.
أخي الكريم، إن أردنا النظر بحيادية للعالم، وأردنا فهمه بشكل معمق، علينا تجريد أفكارنا من الأفكار المسبقة (ومنها الفكر الديني) لنرى العالم بوضوح بداية، ومن ثم نضع تحليلاتنا وفهمنا، وإن تعارض مع التفسير الديني، علينا إيجاد تفسير ديني متناسب مع هذه المعرفة الجديدة.
مثالين صغيرين:
كان التفسير الديني السائد لفترة طويلة جداً أن الأرض هي مركز الكون، وبأن الشمس والكواكب الأخرى تدور حولها، وعندما جاء جاليليو بإثباته العلمي عكس ذلك، أرادت الكنيسة قتله ورفضه لتعارضه الصريح مع النصوص عندهم. إلى أن تراجع عن رأيه بالرغم من صحته.
لاحقاً أصبحت مركزية الأرض أمراً مستحيلاً، وسادت المعرفة الصحيحة، أضطرت الكنيسة لإيجاد التفسيرات اللازمة للتوافق مع هذه المعرفة الجديدة.
- نفس الشيء بالنسبة لعمر الكون والأرض، فقد كان الظن (وللآن يصدق البعض بهذا) بأن عمر الأرض لا يتجاوز بعض آلاف السنين، بالرغم من أن العلم أثبت بأن عمرها يتجاوز الـ 3.5 بليون سنة.
أعتذر على الإطالة، ولكنني وجدتُ بأنك مقالاتك بالرغم من أهميتها وجمالها، إلى أنها مقيدة بالتفسير الديني مما يصعب من إيجاد معرفة جديدة.
فمسألة الفطرة مثلاً، لن تستطيع أن تجد شيئاً كهذا في حياتنا، فجينات الشخص، والبيئة التي عاش فيها، تحدد الخير والشر فيه، تحدد معاييره الأخلاقية ودينه، وتحدد الإله الذي سيعبده لاحقاً.
جيناته والبيئة التي يعيش فيها، تحدد من هو الصديق ومن هو العدو، وإن كان وُلد فد وُلد لأبوين مختلفين أو في طرفٍ آخر من العالم، ببساطة، لكان إنسان مختلفاً في طباعه ومعاييره الأخلاقية، ولربما مقت العادات التي كان سيكون عليها سابقاً وحاربها.
أعتذر مجدداً إن كان ردي مزعجاً لك، وآمل أن نتحاور لاحقاً.
كل الود والاحترام
على الرحب والسعة ...أيها الصديق علاء البناء
سعيد بتواجد صاحب فكر منفتح مثلك في مدونتي المتواضعة
تذكر بأن المدونة لا تطرح رأي أكاديمي فلسفي وإنما تطرح رأي شخصي فلسفي
وبما أن العامل الديني أمر واقع ومعاش لا يمكن تجاهله في الثقافة والكيان الشخصي
لذلك قد تجده حاضر بقوة ...
على العموم ...هذا لا يبرر جعل الدين مطية للأفكار
او استخدام الدين كحاجز يضفي القداسة على الآراء الشخصية
...المسألة تبقى أفكار للحوار والتثاقف المشترك
ومن جهة أخرى هنالك حقائق ...لا تجاوب عليها الفلسفة وحسمها الدين
أما الأمثلة التي سقتها ... فعليها تحفظ من وجهة نظري
1- مسألة الأرض مركز الكون ...فهي لا تمثل كل الأديان وإنما تمثل تفسير ديني مقتضب لفئة كانت تعتقد أنها تمتلك الحقيقة
الإسلام لم يحجر على العقل ولا يوجد نص يثبت مركزية الأرض ...بل كل في فلك يسبحون ...ولا مجال لسرد الآيات الكريمة التي تصف حقائق كونية مذهلة لم ندركها علمياً سوى في العصر الحديث
2-عمر الأرض :الخوض فيه أمر مضحك من جهة دينية ...لأن الزمن أمر نسبي والحقيقة بأن لا وجود له سوى في ذاكرة الإنسان
3- الفطرة والغريزة خصائص مبرمجة حيوياً في كل كائن ...لكن لا تأثير لها على المصير ...وهي أداة حدودها قد يستغلق على الفهم أحياناً على الأقل من وجهة نظري
أكرر سروري بالنقاش معك حول هذا الإدراج
وأرجو أن يستمر الحوار
أخي الكريم عبد الرحمن،
أشكرك على ردك الرزين،
بالرغم من وجود بعض الاختلافات الصغيرة في رؤانا للعالم، إلى أنني أتفهم ذلك جداً وأجدده مبرراً ومنطقياً، فنحن في النهاية نتحاور فلسفياً، ونشارك بآرائنا الشخصية، مما يحتم ربما وجود عشرات الآراء المختلفة التي تفسر ذات القضية.. ولكن، الأهم هنا أن يدرك الشخص هذا الأمر، ويحترم فكر الآخر على هذا الأساس.. وأرى بوضوح بأننا تجاوزنا هذه المرحلة مشكوراً.
بالنسبة لردي السابق، كل ما في الأمر أنني أردت تسليط الضوء على أننا أحياناً بحاجة لإطلاق العنان لحقائق وتفسيرات مختلفة عن تلك التي تحملها بفكرنا.. وتحتاج أحياناً إلى كسر بعض الحواجز التي تمنعنا من إدراكها.. وقد شاركتُ هنا لأنني مدرك بما قرأته في هذه المدونة، بأن صاحبها هو بالفعل إنسان متفتح مقدرٌ لهذا الأمر.
يسعدني حوارك بكل تأكيد أخي الكريم.
كل الود والاحترام.
الاسم: عبدالرحمن المحيا
