ميتا ماتيريال

كتبهاعبدالرحمن المحيا ، في 15 يونيو 2007 الساعة: 05:21 ص

صحيح أن العلم نقيض الخرافة والأسطورة، لكن الخيال وقود للعقول الفذة التي تقهر المستحيل لتجعله ممكنا، فأساطير التراث وإن بدت خيالاً جامحاً، إلا أنه قد تحقق منها ما يفوق الأسطورة ذاتها، قارن مثلاً "بساط الريح" مع طائرة الجامبو، وماذا سيفعل ذلك المارد حبيس القمقم أمام القوى الذرية المنشطرة إذا خرجت من عقالها المجهري.
أما طاقية الإخفاء فبقيت كأسطورة عصية على عباقرة الروس والغرب ردحاً من الزمن، إلى أن أدخلت مؤخراً للمختبرات للتحقق من إمكانية تطبيقها أو إرجاعها لكتب أساطير السابقين.
إن عين الإنسان ترى الأشياء بسبب انعكاس الضوء عليها، أما المادة التي لا تعكس الضوء أو الأشعة، فلا ترى وذلك أساس فكرة التخفي، ومنذ حوالي أربعين سنة فكر العالم الروسي فيسلاجو بمادة لا تعكس الضوء لكي تصبح خفية، لكنه لم ينجح في تطبيق نظريته عملياً لعدم وجود مادة طبيعية لها تلك الصفة، ولأن تقنيات تصنيع مواد جديدة بذلك الوقت كانت بدائية، بالمقارنة بما هي عليه اليوم، بقيت أفكار فيسلاجو مجرد نظريات حتى منتصف التسعينات الميلادية، عندما صمم عالم اسمه جون بندري مع علماء من شركة ماركوني بإنجلترا مادة مركبة من شرائح تقوم ببعثرة الموجات الكهرومغناطيسية (مثل الضوء) التي تصطدم بها باتجاهات معينة، مما يجعل الضوء يخالف سلوكه المعهود مع المواد الطبيعية.
ثم نجح عالم آخر اسمه ديفيد سميث مع زملائه من جامعة كاليفورنيا عام 2000 بتجميع هذه المواد المصنّعة بمصفوفة أكثر تعقيدا تزيح اتجاه موجات الضوء الساقطة عليها، فلا ترى ما تحجبه هذه المصفوفة، ولكن في نطاق موجي ضيق -أي إنها لا تخفي كل شيء-، ونشر كل من سميث وبندري خلاصة بحوثهما في مجلة ساينتفيك اميركان عام 2006.
ولأن هذه المواد المصنّعة معقدة التركيب، وينتج عنها ظاهرة جديدة، فقد جعلوا لها اسماً فلسفياً مميزاً هو ميتامادة metamaterial على نحو ميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) للدلالة على أنهم تجاوزوا مرحلة تصنيع مواد من خامات طبيعية، حيث صار بالإمكان التحكم في اختيار خصائص فيزيائية للمواد المركبة لتكسر موجات الضوء بطريقة جديدة تماماً.
ويكمن سر الـ( ميتا مادة) أو مادة التمويه في أن موجات الضوء عندما تدخل وتخرج منها يتغير اتجاهها، ويبدو كأن الموجات تجري إلى الخلف، وهي حالة غريبة للضوء تنافي البديهة، فلو وضعت يدك في حوض ماء ستظهر منحنية، لأن الماء يجعل موجات الضوء تنحني، أما لو وضعت يدك في حوض من الميتامادة فستظهر يدك وكأنها تنكسر، وتخرج من الصندوق رغم أنها بداخله.
وعموماً ما زالت مواد التمويه تحت البحث والتطوير، وقد قام العلماء أيضاً بتطوير تقنيات جديدة يمكن توظيفها في مجال التخفي مثل تقنية البلازمونات Plasmonics التي تقوم بضغط موجات الضوء داخل بنية متناهية الصغر، وقد ظهرت بعض الأفكار التطبيقية للبلازمونات نشرت على الموقع الإلكتروني لساينس نيوز مثل "الغطاء البلازموني" الذي يمنع الأجسام من عكس الضوء وتبديده في الحيز المجاور، بحيث يحيد الضوء ويظل الجسم داخل هذا الغطاء خفياً.
ويذكر أن هنالك أبحاثاً يتم تمويلها من جهات عسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية لأجل تطوير تقنيات البلازمونات ومواد التمويه، بغرض إيجاد تطبيقات عملية لإخفاء مخازن الأسلحة ومخابئ الطائرات.
ويتوقع العلماء مستقبلاً واعداً لهذه المواد والتقنيات الجديدة في العدسات والكمبيوترات عالية السرعة ونظم الاتصالات، مما سيمكن المهندسين من تصميم أجهزة كهربائية متناهية في الصغر، ولديها القدرة على نقل البيانات بسرعة هائلة، وستجعل صور شاشات التلفاز أوضح وأكثر واقعية
.

وقد نشرت هذا المقال في جريدة الوطن السعودية 

على هذا الرابط :

هـــــــــــــــــــــــــــنــــــــــــــــــا

وقد صممت هذه الشروح الجرافيكية لطريقة عمل الميتامادة

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : علوم وتكنولوجيا | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر