سيرن : فاتحة الانترنت وحافرة الإنفاق التي يجري بها "لا شيء"
كتبهاعبدالرحمن المحيا ، في 3 سبتمبر 2007 الساعة: 23:00 م
منظمة سيرن للأبحاث النووية تحفر أضخم نفق لتعرف أصل بناء المادة والسعودية تشارك بباحثين
بقلم : عبدالرحمن المحيا
يبدو أن مركزك خبير في الانترنت
فأجابه الرجل بعنف : (نحن من اخترعناها) …
هذه المحادثة مقطع من رواية دان براون الشهيرة " ملائكة وشياطين " والتي تروي قصة خيالية لصراع مختلق بين الكنيسة ممثلة في الفاتيكان وبين العلم متجسداً في "سيرن" ضمن أحداث تمزج دراما الجريمة والتنظيمات السرية وكثير من الحقائق العلمية . ولا يلام براون - مؤلف رواية شيفرة دافنشي- لجعله منظمة الأبحاث النووية الأوروبية والتي تعرف اختصاراً بــ(سيرن CERN) رمزاً للعلم الحديث فهي تملك أضخم معجِّل جسيمات في العالم وأكثرها كلفة إضافة للعديد من المعامل الفريدة من نوعها ضمن مرافقها الواقعة غرب جنيف بسويسرا وعلى الحدود مع فرنسا.
لكن ما هي المعجِّلات ولماذا هي مكلفة ؟
رغم غرابة مصطلح معجِّل أو مسرِّع إلا أن الجميع يملكون معجِّلات شبيهة من حيث المبدأ بتلك التي في "سيرن" ألا وهي التلفزيونات ولا نقصد شاشات البلازما وال سي دي وإنما التلفاز التقليدي والذي بمؤخرته مدفع الكترونات يقصف بها شاشة مغطاة بالفسفور فتضيء صوراً متحركة.
تقوم سيرن CERN حالياً ببناء معجِّّل ضخم لتصادم الجسيمات اسمه إل اتش سي LHC داخل نفق دائري يمتد 27 كلم على عمق
إن المعجِّلات هي أكثر المعامل التجريبية كلفة على الإطلاق وقد ألغى الكونجرس الأمريكي عام 1993م مشروع لمعجِّل كاد يكون الأضخم بامتداد 84 كلم، وبعد أن تم حفر 22 كلم منه أوقف المشروع وقد صرف عليه 2 مليار دولار ليصبح هذا النفق بولاية تكساس أغلى حفرة في الكون. وبالمقابل فإن مشروع "سيرن" تموّله أكثر من عشرين دولة بما فيها الولايات المتحدة التي تصمم وتنفذ أجزاء هامة من المشروع باعتبارها أكثر الدول تقدماً في مجال المعجِّلات لما تملكه من خبرة ومعامل متخصصة.
ويبلغ عدد الموظفين بمنظمة "سيرن" حوالي 3000 يضاف لهم أكثر من 5000 باحث يمثلون 500 جامعة عالمية يؤدون مشاريع بحثية تعاونية، وتشارك السعودية في مشروع LHC عبر اتفاقية عقدتها مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية مع منظمة "سيرن" وأقرها مجلس الوزراء السعودي مؤخرا. وقد نجح باحث سعودي هو نادر الحربي المبتعث لجامعة التكنولوجيا بفينا بإدخال تحسينات على تصميم نموذج لجزء يركب بمصدر المعجِّل وسيصنع في السعودية بإشراف المدينة. كما تقوم فيزيائية سعودية هي إبتسام باضريس المبتعثة لجامعة جنيف بدراسة كواشف السليكون مع فريق مشروع "أطلس" وهو ثاني أضخم كاشف ضمن مشروع المعجِّلLHC ومن المتوقع أن ينجز المشروع بكافة مراحله في العام الميلادي القادم .
وعن انجازات سيرن نعود للمحادثة الواردة في البداية فهي ليست خيالية تماماً -رغم فجاجة الرد - فهنالك عبارة على موقع سيرن الالكتروني تقول (هنا …ولدت الانترنت) وأصل الأمر يعود لاستشاري انجليزي كان يعمل لدى المنظمة اسمه بيرنيرز لي والذي ابتكر برامج تتيح مشاركة نصوص الكترونية بين علماء سيرن في الثمانينات إلى أن تطور الأمر خارج سيرن وتحديدا بأمريكا وصارت الانترنت متاحة للعموم بعد أن كانت للمتخصصين المرتبطين بشبكات الجامعات.
وبالرغم من ارتباط اسم سيرن بالانترنت إلا أنها تختص في تجارب الفيزياء عالية الطاقة التي تبحث في لبنات بناء الكون وهي جسيمات دون ذرية تظهر للحظات قصيرة جداً بعد الصدام العنيف وما تلبث حتى تعود في هيئتها الذرية الأولى ومازال البحث جاري للوصول لأصغر وحدة بناء للمادة ولإثبات وجود أبعاد نظرية أخرى غير الطول والعرض والارتفاع .
وقد يتساءل البعض عن فوائد الأبحاث المكلفة للفيزياء عالية الطاقة التي تقوم بها "سيرن" ويكفي للإجابة عن ذلك معرفة تطبيقاتها في الطب مثل جهاز التصوير الإشعاعي PET الذي يستخدم للكشف عن السرطان وهو نتاج لمثل هذه التجارب .
ومن المفارقات العجيبة أن يحفر الإنسان الأرض ليعرف كيف بدأ الكون وأن يبني أضخم الأجهزة والأنفاق لتجري بها أصغر الكينونات التي لا حجم لها ولكن العلم بها يعطي البشر القدرة على توظيف ما سخر الله لهم من مادة .
رابـــــــــــــــــــــــــط الــــــــمقال المنشور في جريدة الوطن
منظمة سيرن


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : علوم وتكنولوجيا | السمات:علوم وتكنولوجيا
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























